إن الضحك و المرح و المزاح أمر مشروع في الإسلام ، كما دلت على ذلك النصوص القولية ، و المواقف العملية للرسول الكريم ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و أصحابه رضي الله عنهم .
و ما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلى شيء من الترويح يخفف عنها لأواء الحياة و قسوتها ، و تشعب همومها و أعبائها .
كما أن هذا الضرب من اللهو و الترفيه يقوم بمهمة التنشيط للنفس ، حتى تستطيع مواصلة السير والمضي في طريق العمل الطويل ، كما يريح الإنسان دابته في السفر ، حتى لا تنقطع به .
فمشروعية الضحك و المح و المزاح لا شك فيها في الأصل ، و لكنها مقيدة بقيود و شروط لا بد أن تراعي :
أولاً : ألا يكون الكذب و الاختلاق أداة الإضحاك للناس ، كما يفعل بعض الناس في أول إبريل ( نيسان ) فيما يسمونه « كذبة إبريل » .
و لهذا قال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ويل للذي يحدث فيكذب ، ليضحك القوم ، ويل له ، ويل له ، ويل له » (رواه أبو داود و الترمذي و حسنه و النسائي . عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده . ) .
و قد كان ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يمزح و لا يقول إلا حقاً .
ثانياً : ألا يشتمل على تحقير لإنسان آخر ، أو استهزاء به وسخرية منه ، إلا إذا أذن بذلك و رضي .
و جاء في صحيح مسلم : « بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم » .
و ذكرت عائشة أمام النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) إحدى ضرائرها ، فوصفتها بالقصر تعيبها به ، فقال : « يا عائشة ؛ لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » .
قالت : وحكيت له إنساناً – أي قادته في حركته أو صوته أو نحو ذلك – فقال : « ما أحب أني حكيت إنساناً و أن لي كذا و كذا » (رواه أبو داود و الترمذي ، و قال : حسن صحيح).
ثالثاً : ألا يترتب عليه تفزيع ترويع لمسلم .
فقد روي أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، أنهم كانوا يسيرون مع النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقام رجل منهم ، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ، ففزع ، فقال رسول الله ( لي الله عليه و آل محمد ) : « لا يحل لرجل أن يروع مسلماً » .
و عن النعمان بن بسير قال : كنا مع رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) في مسير ، فخفق رجل على راحلته ( أي نعس ) فأخذ رجل سهماً من كنا نته فانتبه الرجل ، ففزع ، فقال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) « لا يحل لرجل أن يروع مسلماً » (رواه الطبراني في « الكبير » ورواته ثقات ) . . و السياق يدل على أن الذي فعل ذلك كان يمازحه .
و قد جاء في الحديث الآخر : « لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً و لا جاداً » (رواه الترمذي و حسنه ) .
رابعاً : ألا يهزل في موضع الجد ، و لا يضحك في مجال يستوجب البكاء ، فلكل شيء أوانه ، و لكل أمر مكانه ، و لكل مقام مقال . و الحكمة وضع الشيء في موضعه المناسب.
و من ممادح الشعراء :
إذا جد عند الجد أرضاك جده
و ذو باطل إن شئت ألهاك باطله !
و الباطل هنا يقصد به اللهو المرح .
و قال آخر :
أهازل حيث الهزل يحسن بالفتى و إني إذا مجد الرجال لذ و جد !
و روي الأصمعي أنه رأي امرأة بالبادية تصلي على سجادتها خاشعة ضارعة ، فلما فرغت و قفت أمام المرآة تتجمل و تتزين ،فقال لها : أين هذه من تلك ؟
فأنشدت تقول : ولله مني جانب لا أضيعه و للهو مني و البطالة جانب !
قال : فعرفت أنها امرأة عابدة لها زوج تتجمل له .
و قد عاب الله تعالى على المشركين أنهم كانوا يضحكون عند سماع القرآن و كان أولى بهم أن يبكوا ، فقال تعالى : ( أَفَمِنُ هَذَا الُحَدِيُثِ تَعُجَبونَ ( 59 ) وَ تَضُحَكونَ وَلَا تَبُكونَ ( 60 ) وَ أَنُتمُ سَامِدونَ ( 61 ) ) (النجم : 59 – 61 ) .
خامساً : أن يكون ذلك بقدر معقول ، و في حدود الاعتدال و التوازن ، الذي تقبله الفطرة السليمة ، وير ضاه العقل الرشيد ، ويلائم المجتمع الإيجابي العامل .
و الإسلام يكره الغلو و الإسراف في كل شيء ، و لو في العبادة ، فكيف باللهو و المرح ؟ !
و لهذا كان التوجيه النبوي : « و لا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب » ؛ فالمنهي عنه هو الإكثار و المبالغة .
و قد ورد عن علي رضي الله عنه قوله : « أعط الكلام من المزح ، بمقدار ما تعطي الطعام من الملح » .
و هو قول حكيم ، يدل على عدم الاستغناء عن المزح ، كما يدل على ضرر الإفراط فيه .
و خير الأمور هو الوسط دائماً ، و هو نخج الإسلام و خصيصته الكبرى ، و مناط فضل أمته على غيرها (- انظر : كتابنا « فتاوى معاصرة » : 2/445 – 457 ، طبع دار الوفاء ) .
أهلا و سهلا بكم
يمكنك في أيّ وقت رؤية لحضات فكاهيّة